أبي منصور الماتريدي

267

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

لا أن جعلوا رصدا من الجن . وجائز أن يكونوا أرسلوا معه ؛ لمكان تعظيم الوحي ، وتشريف الرسالة ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ : قال قائلون : ليعلم محمد بالرصد : أن قد بلغ سائر الرسل رسالات ربه على الوجه الذي أمروا كما بلغ هو . والثاني : أن يعلم كل في نفسه : أن قد أبلغ رسالات ربه . أو ليعلم الأعداء أن قد أبلغ محمد - عليه السلام - رسالات ربه على الوجه الذي أمر ، لم يقع فيه تغيير من شيطان ، ولا جني ، ولا عدو . وقوله - عزّ وجل - : وَأَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ . أي : بما عند [ الرسل ، أو ] « 1 » بما عند الملائكة ، أو بما عند الخلق . وقوله - عزّ وجل - : وَأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً أي : أحاط العلم بالذي هو معدود ، لا بالعد ، وهو كقوله : وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ [ الحجر : 19 ] ، أي : ما يوزن عند الخلق . أو أحاط العلم بما لدى الكفرة لا بالرصد ، وأن في نصب الرصد محنة وتكليفا على الرصد ، لا أن يقع بهم الحفظ ، وهو كقوله - عزّ وجل - : يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ . وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ [ آل عمران : 125 ، 126 ] ، فبين أن النصر من عنده ، وأن الملائكة إنما أرسلت ؛ لتطمئن بها قلوب المؤمنين ، وتركن إليها طباعهم . وَأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً ، أي : كل شيء عنده [ معدود ومحصى ] « 2 » ، لا يغفل « 3 » - جل جلاله - عن معرفة عدده ، ولا يعتريه أحوال يعزب عنه فيها علم ذلك ، خلافا لما عليه أمر الخلق ، والله الموفق ، [ وصلى الله على سيدنا محمد وآله أجمعين ] « 4 » . * * *

--> ( 1 ) في أ : الرسول و . ( 2 ) في ب : محصى معدود . ( 3 ) في أ : يفضل . ( 4 ) سقط في ب .